بناء الدولة

فكرة قديمة تدور برأسي ، تبلورت اليوم في جمل مفيدة …
إذا فكرنا بالرجوع إلى الحجر الأساس الذي تأسست عليه معظم المجتمعات التي تشكل اليوم دولاً متقدمة و حديثة ، سنجد أن أسس المجتمع الناجح توضع عادةً من قبل قلة قليلة جداً من الأفراد وليس بمشاركة المجتمع ككل .. بمعنى آخر ، من الخطأ اعتماد الديمقراطية منذ البداية في وضع اللبنة الأولى للمجتمع ، فهذا يؤدي بطريقة ما إلى مشاركة أكثرية و عوام المجتمع (بغض النظر عن وعيهم) في تأسيس الدولة ، وهو ما ليسوا مؤهلين لإنجازه كما يجب .. فلوضع أسس الدولة الناجحة يوجد دائماً من هم المؤسسون الأوائل الذين يحددون الخطوط العريضة التي تؤسس الثقافة العامة التي سيسير عليها البلد ، ويكون هؤلاء في موقع سلطوي يمكنهم من وضع هذه الثقافة موضع التنفيذ في المجتمع وبين الناس ، لتثمر مع الزمن بدولة حضارية و بمجتمع مضبوط بأرقى القوانين … وفي هذا السياق أعتقد أنه يمكن حتى تبرير استخدام الديكتاتورية في البداية فقط لوضع أول خطوة على طريق تحويل المشاع إلى مجتمع منظم (بالتأكيد بشرط عدم استمرار الديكتاتورية و تحولها إلى الطريقة الأساسية المعتمدة في الحكم) …يمكن أن نذكر على سبيل المثال كيف وضع أتاتورك أسس الدولة الحديثة لتركيا ، و كيف وضع الآباء المؤسسين (جون آدامز و بنيامين فرانكلين و جيمس ماديسون و توماس جيفرسون و جورج واشنطون و …الخ) أسس الدولة الأمريكية و …الخ
المفجع بالأمر ، أن الأسدين كانت لديهم فعلاً فرصة حقيقية لوضع أسس الدولة السورية الحديثة و لتأسيس مجتمع تنظمه أرقى القوانين و لخلق شعب تضبطه أرقى القيم وللبدء بإنشاء أجيال قادرة على استكمال طريق البناء الذي بدؤوه ، كانت لديهم الفرصة فعلاً لأن يسميهم التاريخ بناة سوريا الحديثة ، وحتى كانت لديهم الفرصة لمكافحة ما يُعتبر اليوم المخاوف من النظام الجديد (مثل التعصب الديني والطائفي على سبيل المثال) .. لكن للأسف لم يفلحوا في استخدام نفوذهم بطريقة بناة الدول ، و إنما استخدموه بطريقة التجار و المزارعين .. ما أدى إلى تحويل الدولة إلى مزرعة و تحويل الشعب قسم إلى خراف وقسم إلى ذئاب ، و ما سيؤدي حتى بعد نجاح الثورة إلى المخاطرة بمشاركة الأكثرية و العوام (بغض النظر عن السويّة الفكرية) في وضع أسس الدولة وهو ما سيحطم المجتمع من جديد !